محمد ابراهيم شادي

21

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )

فهذه فيما أرى جهات الموازنة بين النص القرآني وغيره من كلام الناس للوقوف على جهات التميز والتفوق التي يثبت بها الإعجاز . وجه أخير للإعجاز : ذكر الخطابي وجها أخيرا للإعجاز يصعب تعليله ولكن الإحساس به قوى ونحن نشعر به الآن كما كان القدماء يشعرون به بما يدل على أن رب بالعزة سبحانه قصد إلى أن يكون ، ولا تجد نظيره في كلام ما ، فهو ثابت قائم يتميز به القرآن من غير حاجة إلى موازنة ، ذلك هو " صنيعه بالقلوب وتأثيره في النفوس ، فإنك لا تسمع كلاما غير القرآن منظوما ولا منثورا إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال ومن الروعة والمهابة في أخرى ما يخلص منه إليك « 1 » . ولهذا الوجه الذي ذكره هنا ارتباط شديد بوجه آخر سبق إليه وهو ما يترتب على امتزاج طبقات الكلام في الموضوع الواحد في القرآن من ظهور نمط من الكلام يجمع بين صفتي الفخامة والعذوبة وهما أصلان لا يجتمعان في كلام آخر لأن العذوبة نتاج السهولة والجزالة تعالج نوعا من الوعورة . فإن الجزالة تؤدى إلى الروعة والمهابة ، والعذوبة تؤدى إلى اللذة والحلاوة « 2 » والإعجاز يكمن في أن هاتين السمتين تجتمعان في الموضوع الواحد على ما بينها من تضاد ؛ وتفسيره هو تلطف العليم الخبير بنفوس عباده عندما تشتد بها الوحشة والفرق . ثم يستدل الخطابي على هذا مع كونه وجها واضحا في غير حاجة إلى دليل لكن لما كان الدليل قائما من أحوال الإنس والجن ذكره ، وحسبنا ما نعرفه من قصة إسلام عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه وكيف حوله القرآن عندما استمع إليه من عدو متربص إلى محب للإسلام والمسلمين وقصة عتبة الذي راح يساوم

--> ( 1 ) بيان إعجاز القرآن ونص عبارته الأخيرة " ما يخلص منه إليه " ومرجع الضمير في ( إليه ) غير معلوم فالظاهر أن الأصل ( إليك ) والضمير يعود إلى المخاطب بهذا الكلام والذي بدأ به الخطابي في قوله " فإنك لا تسمع كلاما ( 2 ) تنبه إلى هذا الارتباط د . مصطفى مسلم في كتابه " مباحث في إعجاز القرآن - دار القلم - دمشق